الحكيم الترمذي
455
ختم الأولياء
بشيء أحب اليّ من أداء ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي المؤمن يتنفل إليّ حتى أحبه . فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا . ان دعاني أجبته ، وان سألني أعطيته » - قلت : صف لي الآن من علامات وجود قلبه . - قال : نفسه محبوسة في سجن الملاطفة ، مخصوصة بعلم المكاشفة ، متلذذ بنعيم النظر في مشاهدة الغيب وحجاب العز ورفعة المنعة . فهي القلوب التي أسرت أوهامها ، بعجيب انفاذ اتقان الصنع . فعندها تصاعدت في المنى ( الأصل : المنا ) وتواترت على جوارحها فوايد الغنى ( الأصل : الغنا ) . فانقطعت النفوس عن كل ميل إلى داعي راحة . وانزعجت الهموم ، وفرّت من الرفاهية . فنعمت بسر الهداية ، وغذيت بلطيف الكفاية . وأرسلت في روضة البصيرة ، فأحلت القلوب محلا نظرت فيه بلا عيان ، وجالست بلا مشاهدة ، وخوطبت بلا مشافهة . فهذه ، يا فتى ! صفة أهل محبة اللّه ، عز وجل ، من أهل الموافقة والحياء والرضاء والتوكل . فهم الأبرار من العمال ، والزهاد من العلماء ، والفقهاء من الحكماء ، والحكماء من النجباء . وهم المسارعون من الأبرار . وهم رعاة الليل والنهار . وأصحاب صفا التذكار ، وأصحاب الفكر والاعتبار ، وأصحاب المحن والاختبار . ممن أسعدهم اللّه بطاعته ، وحفظهم برعايته ، وتولّاهم بسياسته . فلم تشذّ لهم همة ، ولم تسقط لهم إرادة . همومهم في الجد والطلب ، وأرواحهم في النجاة والقرب . يستقلون الكثير من أعمالهم ، ويستكثروا القليل من نعم اللّه ، عز وجل ، عليهم . إن أنعم اللّه عليهم شكروا ، وان منعوا صبروا . يكاد يهيج منهم صراخ الأحزان إلى مواطن الخلوات ومعادن العبر والآيات . والحسرات في قلوبهم تتردد ، وخوف الفراق في صدورهم يتوقد . أذاقهم اللّه طعم محبته ، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته . فقطعهم ذلك عن الشهوات ، وجانبوا اللذات ، وداموا في خدمة ملك الأرض والسماوات . قد اعتقدوا الرضاء قبل وقوع القضاء . منقطعين عن إشارة النفوس ، منكرين للجهل المأسوس . طاب ، واللّه ، عيشهم ، ودام نعيمهم . فعيشهم سليم ، وغناهم في قلوبهم مقيم . كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى محجوب الغيوب . فقطعوا كل محبوب ، وصار اللّه ، جل جلاله ! هو المنى والمطلوب . دعاهم اليه فأجابوه بالجد ودوام السير . فلم يقم لهم اشتغال ، إذا استيقنوا دعوة الجبار . فعندها غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها ، وظهرت أسباب المعرفة بما فيها . فصار مطيتهم اليه الرغبة ، وسائقهم الرهبة ، وحاديهم الشوق من المحبة . حتى أدخلهم في رق عبوديته ، وبصرهم عظيم ربوبيته . فليس تلحقهم فترة في نيّة ، ولا وهن في عزمة ، ولا ضعف في خدمة ، ولا تأويل في رخصة ، ولا ميل إلى داعي غرة . - قلت : أرى هذا مرادا بالمحبة . - قال : هذا صفة المرادين بالمحبة . - قلت : كيف المحن على هؤلاء ؟ - قال : سهلة في علمها ، صعبة في اختبارها ، هينة في مباشرتها . فمحبتهم على قدر ايمانهم . - قلت : من أشدهم محنا ؟ - قالت : أكثرهم معرفة ، وأقواهم يقينا ، وأكملهم ايمانا . وقد قيل في الخبر : « أكثر الناس بلاءا الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل » - ( نفس المصدر ورقة 59 / ا - 62 / ب ) . 12 ) الجنيد : « اعلم أن أول عبادة اللّه ، عز وجل ، معرفته . وأصل معرفته توحيده . ونظام توحيده نفي الصفات عنه بالكيف والحيث والابن . - فبه استدل عليه . وكان سبب استدلاله به